القرطبي
296
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الخامسة : قوله تعالى : " طعموا " أصل هذه اللفظة في الاكل ، يقال : طعم الطعام وشرب الشراب ، لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما ، قال الشاعر : نعاما بوجرة ( 1 ) صعر الخدو * د لا تطعم النوم إلا صياما وقد تقدم القول في " البقرة " ( 2 ) في قوله تعالى : " ومن لم يطعمه " [ البقرة : 249 ] بما فيه الكفاية . السادسة - قال ابن خويزمنداد : تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات ، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه . وهذه الآية نظير قوله تعالى : " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " [ المائدة : 87 ] ونظير قوله : " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " ( 3 ) [ الأعراف : 32 ] . السابعة - قوله تعالى : ( إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) . فيه أربعة أقوال : الأول : أنه ليس في ذكر التقوى تكرار ، والمعنى اتقوا شربها ، وآمنوا بتحريمها ، والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم ، والثالث على معنى الاحسان إلى الاتقاء . والثاني : اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات ، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها ، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم ( 4 ) ، وأحسنوا العمل . الثالث - اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله ، والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر ، وازدادوا إيمانا ، ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا . وقال محمد بن جرير : الاتقاء ( 5 ) الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول ، والتصديق والدينونة به والعمل ، والاتقاء الثاني ، الاتقاء بالثبات على التصديق ، والثالث الاتقاء بالاحسان ، والتقرب بالنوافل .
--> ( 1 ) وجرة : موضع بين مكة والبصرة ، يقول الشاعر : هي صائمة منه لا تطعمه ، وروى في اللسان ( لا تطعم الماء ) وقال : وذلك لان النعام لا ترد الماء ولا تطعمه . وقبله : فأما بنو عامر بالنار * غداة لقونا فكانوا نعاما ( 2 ) راجع ج 3 ص 252 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 195 . ( 4 ) في ع : أعمارهم . ( 5 ) لعل قول ابن جرير هو الرابع .